كنت أتحدث إلى إحدى النساء المسنّات عن سبب تغطيتها لوجهها مؤخراً بعدما عاشت أكثر من 53 سنة لا تعرف الغطاء ولا الجلباب الأسود ولا تهتم كثيراً بوجوده أو استخدامه ، فأجابتني أنها تخاف أن تُغضب الله ! وأنها سمعت " الشيخ " يقول أن هذا حرام !وعندما سألتها عن بعض العادات الاجتماعية التي تُعمّق التواصل الاجتماعي، والأسري ، والتي اختفت من واقعنا اليوم ، بفعل عزل مكوّنات المجتمع عن بعضها ، و فصل كل جنس عن الآخر فصلا تامة في كافة المرافق ، أجابت أن الأيام السالفة كانت جميلة ، وكانت أطهر من عالم اليوم ، لكنها استدركت وقالت " كنّا في جهل بأمور ديننا ، ولم نكن نتغطى من بعضنا !! والآن نحن نطبق الإسلام الصحيح " و قالت أيضا في معنى كلامها " لكن القيم تضآئلت وتكاد تكون اختفت ! "
هذه السيدة كغيرها من رجال ونساء منطقة السروات الممتدة من جنوب الطائف حتى أبها وخميس مشيط ، المنطقة التي كانت إلى عهد قريب أكثر مناطق السعودية كثافة سكانية ، ووفرة زراعية ، وأكثرها جمالاً وتسامحًا و أريحيّة ، صارت اليوم تضاهي أكثر المناطق انغلاقًا في أطراف نجد و القصيم ، بل أصبح أهلها مشاريع جاهزة لدعاة الإرهاب والقتل والدمار والكراهية والعزلة !
أهل المنطقة الجنوبية عموما وأهل السراة خصوصا هم عبارة عن قبائل حاضرة ، مستقرون في بيوت كانت تُبنى من الحصى والصخر المتوفرة في الجبال ، أهلها يعيشون على الزراعة والتجارة ، وكانت السروات هي سلة الجزيزة العربية ، تمد جميع المناطق بحاجتها من الحبوب والأعلاف والغلال ، كما أنها كانت مركزا حضاريا معتبرا ، تعج بالمدارس العثمانية النموذجية ، وبالمساجد التي كانت تدرّس فيها علوم المذهب الشافعي السنّي ، و بها أعلام في الشعر و علوم الدين والتجارة والفن الشعبي العريق الذي تمتاز به هذه المنطقة ، كما ذكرت كتب التاريخ .
وصلت الدعوة الوهابية إلى تخوم جبال السراة للمرة الأولى عام 1209هـ / 1794م ، وكان عبد الوهاب أبو نقطة الذي حكم إقليم عسير وقتها قد عقد تحالفا مع قوات الدولة السعودية الأولى ، نظير أن تساعده هذه القوات في صد المكارمة حكام نجران الذين كان بينهم وبين أهل عسير سجال من النزاعات والحروب المتتالية ، لكن ورغم ذلك لم تتغير العادات العسيريّة ، ولم تؤثر الدعوة الوهابية تأثيرا دينيا أو اجتماعيا حقيقا في سلوكيات أهل المنطقة و معتقداتهم ، نظرا لأن المنطقة كانت تحفل بالعديد من الفقهاء والقرآء ، وللوفرة المادية والعددية ، التي كانت تجعل من منطقة السراة قوة حضارية معتدّة بهويتها وعاداتها و قيمها .
بعد دخول إقليم عسير والباحة ضمن الدولة السعودية الثالثة ، نشطت دعوة الإخوان في عسير والتي كانت التركيز عليها ملفتا لما تحمله المنطقة من واقع مصيري للدولة ، وكان الإخوان الوهابيون يواجهون مشاكل كبيرة أثناء دعوتهم في عسير والباحة ، مما جعلهم يلجأون إلى فرض أيديلوجياتهم بالدعوة من مساجد المنطقة ، وتوظيف بعض أبنائها الذين تتلمذوا على أيدي المنظرين الجدد، وحرق الكثير من المصادر الدينية التي كان يستمد منها الجنوبيون علومهم الشرعيّة تحت ذريعة أنها بدع وخرافات وشركيات .
وبعد انقشاع غمة الإخوان الذين هزمهم الملك عبد العزيز في معركة السبلة بعدما بالغوا في اضطهاد أبناء المناطق الجنوبية والشرقية ، ولخوف الملك من تطرفهم على مستقبل دولته الوليدة ، أصبح تأثير الدعوة الوهابية محدودا في عسير ، حتى تم اعتماد المذهب الحنبلي مذهبا فقهيا رسميا للدولة، وفرضه في المناهج والمساجد وفي الشأن العام ، واعتماد كتب محمد بن عبد الوهاب مصدرا عقائديا للبلاد والعباد في كل أنحاء المملكة ، مما جعل أبناء المذهب السني في السعودية وهابييون في الغالب ، وذاب المذهب الشافعي في الجنوب ، ولكنه كان نشيطًا وبارزا في الحجاز ، وما زال الحجازيون حتى اليوم متمسكين في جملتهم بسلوكياتهم الإجتماعية والدينية ، على النقيض من من أبناء منطقة السراة .الجنوبيون منذ 25 سنة تقريبا بدأ نساؤهم يلبسون العباءة السوداء بعد ما عاد الكثير من أبنائهم من الرياض التي كانوا يبحثون عن أعمال فيها أو انضموا إلى الجيش السعودي أنذآك ، ثم صاروا يفصلون بين الجنسين من الأقارب في دورهم ومزارعهم ، و تغير نمط بنآئهم لبيوتهم ، بدأ يختفي البيت العسيري التقليدي وتدخل عليه غرف مثل (المقلّط ) وهي كلمة دخيلة على أبناء عسير ، حتى لهجتهم فقدوا الثقة بها ، وصاروا يطعّمونها بألفاظ نجدية متعددة من باب الوجاهة و إحساساً بالنقص والتخلّف * .ألف جون فيلبي كتاب بعنوان ( المرتفعات العربية ) ( Arabian Highlands) ورد في النص الأصلي للكتاب الذي تم طباعته في جامعة كاميبردج البريطانية : أنّ الرحالة الألماني ليوبولد سويس والذي مر بمنطقة عسير عام 1916 ميلادية ونشر مشاهداته في صحيفة ألمانية يقول جون فيلبي أن هذا الرحالة كتب (( ... هنا في هذه المنطقة ومنذ حدودها اليمانية تتمتع النساء بحرية كبيرة وبحرية للتعامل مع الرجل أكثر بكثير من المناطق الصحراوية المتدينة ..))



__________________
* يقول عالم اللغة الخليل بن أحمد الفراهيدي : "أفصح الناس أزد السراة"






